السيد كمال الحيدري
21
دروس في التوحيد
الوحدة القهّارة في القرآن القرآن الكريم ينفي الوحدة العددية عن الله تعالى ، حيث دأب الذكر الكريم في عدد وافر من آياته أن يصف وحدة الله بالقهّارية كلّما ذكر الوحدة ، كما قوله سبحانه : وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( الرعد : 16 ) ، وقوله : أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( يوسف : 39 ) ، وقوله : وَمَا مِنْ إلهٍ إلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( ص : 65 ) ، وقوله تعالى : لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( الزمر : 4 ) . فهذه الآيات تصرِّح أنّ وحدة الله قهّارة ؛ والسبب في كون وحدته تعالى قهّارة ، هو أنه لو كانت وحدته سبحانه وحدة عددية لكانت مقهورة غير قاهرة ، ومثل هذا الواحد لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين ، وصار مقهوراً بالحدّ الذي يَحُدُّه به الفرد الآخر ، فمحدودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحداً ، وحينما تسلب هذه الوحدة تتألف كثرة عددية . ولو صار الله سبحانه واحداً عددياً ، أي موجوداً محدوداً منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات ، لجاز للعقل أن يفترض له ثانياً بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الثاني موجوداً في الخارج أم لا ، ومن ثمّ صحّ عند العقل أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فُرض امتناعه في الواقع . لكنه سبحانه واحد لا يُحَدّ بحدّ ، فلا يمكن فرض ثانٍ له ، وهذا هو معنى الآيات التي تصفه بالقهّارية بعد وصفه بالوحدة ، فهي تدلّ على أنّ وحدته من النوع الذي يستحيل أن يُفرض له ثانٍ له ، فضلًا عن أن يظهر مثل هذا الثاني في الوجود ويكون له تحقّقٌ في الخارج . يقول السيِّد الطباطبائي في الاتجاه الذي ينفي الوحدة العددية ويثبت الوحدة القهّارة : " والقرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ